محمد بن جرير الطبري
181
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
فقال مجاهد : هو كما قال : يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم . زاد ابن حميد ، قال : يأتيهم من ثم . حدثني الحرث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا أبو سعد المدني ، قال : قال مجاهد : فذكر نحو حديث محمد بن عمرو ، عن أبي عاصم . قال أبو جعفر : وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : معناه : ثم لآتينهم من جميع وجوه الحق والباطل ، فأصدهم عن الحق وأحسن لهم الباطل وذلك أن ذلك عقيب قوله : لأقعدن لهم صراطك المستقيم فأخبر أنه يقعد لبني آدم على الطريق الذي أمرهم الله أن يسلكوه ، وهو ما وصفنا من دين الله الحق ، فيأتيهم في ذلك من كل وجوهه من الوجه الذي أمرهم الله به ، فيصدهم عنه ، وذلك من بين أيديهم وعن أيمانهم ، ومن الوجه الذي نهاهم الله عنه ، فيزينه لهم ويدعوهم إليه ، وذلك من خلفهم وعن شمائلهم . وقيل : ولم يقل : من فوقهم لان رحمة الله تنزل على عباده من فوقهم . ذكر من قال ذلك : 11182 - حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري ، قال : ثنا حفص بن عمر ، قال : ثنا الحكم بن أبان ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولم يقل : من فوقهم ، لان الرحمة تنزل من فوقهم . وأما قوله : ولا تجد أكثرهم شاكرين فإنه يقول : ولا تجد رب أكثر بني آدم شاكرين لك نعمتك التي أنعمت عليهم كتكرمتك أباهم آدم بما أكرمته به ، من إسجادك له ملائكتك ، وتفضيلك إياه علي ، وشكرهم إياه طاعتهم له بالاقرار بتوحيده ، واتباع أمره ونهيه . وكان ابن عباس يقول في ذلك بما : 11183 - حدثني به المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : ولا تجد أكثرهم شاكرين يقول : موحدين . القول في تأويل قوله تعالى : * ( قال اخرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين ) * . وهذا خبر من الله تعالى ذكره ، عن إحلاله بالخبيث عدو الله ما أحل به من نقمته ولعنته ، وطرده إياه عن جنته ، إذ عصاه وخالف أمره ، وراجعه من الجواب بما لم يكن له مراجعته به يقول : قال الله له عند ذلك : اخرج منها أي من الجنة مذؤوما مدحورا